عبد الملك الثعالبي النيسابوري
194
اللطائف والظرائف
باب مدح الزجاج مدح سهل بن هارون الزجاج ووصفه في بعض مجالس الملوك فقال : الذهب مخلوق ، والزجاج مصنوع ، وفضيلة الذهب بالصلابة ، وفضيلة الزجاج بالصفاء ، ثم إن الزجاج أبقى على الدفن وهو مجلو نوري ، والذهب متاع سائر ، والشراب في الزجاج أحسن منه في كل جوهر ، ولا يفقد معه وجه النديم ، ولا يثقل في اليد ، ولا يرتفع في السوم ، وقدور الزجاج أطيب من قدور الحجارة ، وهي لا تصدأ ، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء ، ومتى غسلت بالصابون صارت جددا ، والزجاج أشبه شيء بالماء ، وصنعته عجيبة وصفته غريبة وصياغته أغرب وأعجب ، ومن كرع فيه لشرب ماء فكأنما يشرب في إناء من ماء وهواء وضياء ، ومرآته المركبة في الحائط أضوأ من مرآة الفولاذ والصور فيها أبين ، وقد تقدح النار من قنينة الزجاج إذا كان فيها ماء محاذ عين الشمس ، لأن طبع الزجاج والماء والهواء والشمس من عنصر واحد . وليس في كل ما يدور الفلك عليه جوهر أقبل لكل صبغ وأجدر أن لا يفارقه منه حتى كان ذلك الصبغ جوهره ، ومتى سقط عليه ضياء أنفذه إلى الجانب الآخر وأعاره لونه ، وإن كان الجام ذا ألوان أراك بياض البيت أحسن من وشيء صنعاء ومن ديباج تستر ، ولم يتخذ الناس آنية أجمع لما يريدون منه ؛ وقال اللّه تعالى عز ذكره : قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً